يُنذر الوضع المتأزم في سوريا بخطورة بالغة، ويُهدد انتصارات الولايات المتحدة التي حققتها بشق الأنفس ضد تنظيم «داعش»، فضلاً عن إنجازات الرئيس دونالد ترامب الأوسع نطاقاً في مجال الأمن الإقليمي. وإذا صحت التقارير التي تُفيد بأن الولايات المتحدة تعتزم سحب ما تبقّى من قواتها من سوريا، فإن واشنطن ستُقامر بأمن أصولها العسكرية في الشرق الأوسط، وبالاستقرار الإقليمي، وبسلامة الشعب الأميركي.

فبعد شهر واحد فقط من تخفيف الولايات المتحدة العقوبات على الحكومة السورية الجديدة،  سيطرت القوات الحكومية على منطقة كانت خاضعة سابقاً لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، أفادت التقارير بفرار عدد غير معروف من عناصر «داعش» من سجن الشدادي، مما يعرّض حياة الجنود والمواطنين الأميركيين للخطر.
لا شك أن هذه التطورات قد تُؤدي إلى أزمة، ليس فقط للأقليات كالدروز والأكراد، بل للمنطقة بأسرها. فإذا لم يتم احتواؤها، فقد نشهد قريباً نزوحاً جماعياً واحتمال عودة «داعش» كقوة مؤثرة داخل سوريا وتهديد إرهابي عالمي.
وقد قاتلت «قوات سوريا الديمقراطية» ببسالة إلى جانب الولايات المتحدة للمساعدة في القضاء على «داعش»، أحد أبرز إنجازات إدارة ترامب الأولى. ومع ذلك، هناك مؤشرات مقلقة على أن واشنطن لا تستعد لسحب قواتها فقط، بل قد تتنصل أيضاً من التزاماتها تجاه «قوات سوريا الديمقراطية».
وإذا لم تتحرك الولايات المتحدة سريعاً، فقد تتلاشى إنجازات ولاية ترامب الأولى، في الوقت الذي اقترب فيه الرئيس من تحقيق هدفه بإطلاق عهد جديد للسلام في الشرق الأوسط. بل إن الانطباع السائد بأن واشنطن قد تخلّت عن شريك  في مكافحة الإرهاب سيكون له تداعيات خطيرة على مصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على الردع في جميع أنحاء المنطقة.
ولا ينبغي أن ننسى ما الذي أتاح لـ«داعش» الصعود في المقام الأول، وهو تراجع أميركا وعدم استعدادها للوفاء بتعهداتها. فقد أدى الانسحاب الكارثي للرئيس باراك أوباما من العراق إلى فراغ ملأه «داعش» سريعاً، حيث سيطر في ذروة قوته على ثلث سوريا و40% من العراق، وهي مساحة تقارب حجم بريطانيا العظمى. كما أن جولة أوباما للاعتذار، وسياسة الاسترضاء المتواصلة لأعداء أميركا، وعدم الاستعداد لفرض «الخطوط الحمراء»، شجّعت «داعش» على التوغل أكثر، فقتل التنظيم أسرى أميركيين ونظّم موجة جديدة من الإرهاب العالمي، في مدن مثل باريس وبروكسل وأورلاندو.

 

وبالتعاون مع الشركاء الإقليميين الآخرين، ينبغي على الولايات المتحدة استخدام نفوذها الواسع للوساطة والتوصل إلى إطار عسكري وأمني يحمي المصالح المتنافسة داخل سوريا ويمنع الانهيار الداخلي. ولن يكون ذلك بالأمر السهل. ولكن لتجنب كارثة محتملة، من الضروري أن يحشد صنّاع القرار والدبلوماسيون الأميركيون كل الأدوات المتاحة لديهم لضمان إعادة سوريا إلى مسار الاستقرار والسلام.

*وزير الخارجية الأميركي السابق في إدارة ترامب الأولى
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»